ما يحدث بنا!

 

     المقال السابق كان يحمل عنوان "الثقافة والاكتئاب" حاولت أن أنفي ما يقولوه البعض عن هذا الارتباط الغير منطقي بين الثقافة والاكتئاب، وربما اختذلت الكثير مما رغبت في قوله أو التعبير عنه، وربما لستُ  أنا الشخص المناسب لكي أكتب عن مثل هذه الموضوعات، ولكن دفعتني الأحداث إلى الكتابة، ربما لاوجه رسالة تحذيرية تتكرر على مسامعنا كل يوم ولكننا لا نهتم بها، ونُلقب من يدعون لها، بالمخابيل، وسأكون أنا أحد أولئك المخابيل في هذا المقال.




     العلمانية، ما العلمانية، نسمع إنها فصل الدين عن الدولة، ولكنها أعمق وأكبر من هذا، نحن نفعل الكثير من الأفعال العلمانية دون علم منا، نقلد الآخرين دون تفكير، دون تكوين رؤية خاصة بنا، دون نقد الأفعال والتصرفات على أسس منهجية ومعرفية، ومحاولة معرفة لماذا يحدث هذا ولماذا؟

    سأحاول أن أخفف من المصطلحات، فأنا لا أريد أن أبدو المثقفة التي تتدشق بالمصطلحات العلمية؛ لأنني لست كذلك، أنا مازلت أبحث وأتعلم، وأود أن أشارك ما أتعلمه معكم، ولهذا فعلينا أن نفهم ما يدور حولنا، وإلى أى مدى أصبحت مرجعيتنا مادية، سواء في التعاملات مع الأفراد، أو في الأهداف والأعمال والغايات، سأحكي لكم حكاية حدثت بالفعل، ربما حدثت معي وربما حدثت معكم أيضًا، كنتُ أتحدث مع صديق سابق في موضوع العلاقات بين الرجل والمرأة، وخلال الكثير من الأحاديث، لفت نظري أسئلة، مثل: ما المقابل الذي سأحصل عليه في هذه العلاقة، ما مقابل اهتمامي بالشخص الأخر، توقفت مليًا عند كلماته وفكرت! إلى أي مدى أصبحت علاقتنا بالآخرين نفعية ومادية بهذا الشكل، ما مقابل حبي لكَ! ما مقابل وجودي في حياتك (لو أي شخص ذو فطرة لم تشوه، لن يسأل هذا السؤال، لأن المقابل هو الاطمئنان وهى آشياء غير مادية، روحية إنسانية شعورية، لا يؤمن بها الأشخاص الماديين)، ولهذا ستجد نفس الشخص يقول لكً، الزواج شئ والحب شئ أخر، ما هذا الحمق! وأن تمارس فعل الحب بدون حب! شئ أخر غير الحب، وإلى أخر تلك التراهات، فأصبحت الرغبات كلها تحدث، وتمارس من أجل لذة مادية وقتية، فأصبح الزواج بلا حب، من أجل رغبة مادية أومتعة، وأصبح الحب في غير جدولهم، فهو شئ لا يُرى ولا قيمة له الآن، الأهم مصلحتي من هذه العلاقة، سواء علاقة عابرة أو علاقة بعقد زواج! فكر إلى أي مدى وصلنا من البؤس!

 وهذا يحدث للأسف الشديد في العلاقات الأسرية بين الأخوة أيضًا والأخوات، وربما بين الآباء والأمهات، مع أولادهم، هل تردي إلى أين سنذهب!؟ وماذا سيحدث لنا اذا لم ننتبه، إلى كل تلك الأفعال العلمانية المحضة! دون علم منا أو بعلمٍ منا.

 سنذهب للملابس وما يدعونه بالموضة، الآن تسير في أي شارع وأي مكان سترى أنهم جميعهم يرتدون نفس الملابس، نفس المكياج ونفس الكلمات يتكلمون بها!، وتحت شعار الموضة والتجديد!، أنتَ تشتري الملابس لتستر نفسكَ، أصبحت تشتري الملابس فقط لترضي الموضة وترضي الرغبة في أن تظهر متابع أحدث الصيحات الموضة!، إذا أن تتبع أي شئ، فلماذا تقوم بفعل الشراء! وما الهدف!؟ هل تسأل نفسك؟ سال نفسك إذا، وفكر إلى أي مرجعية تسند أفعالك تلك! لماذا تسافر؟! ولماذا تقوم بكل تلك الأفعال! هل لإنها موضة والشخص -الروش الجامد طحن الي مافيش زيه- هو فقط من يفعل هذا، ولذلك لابد أن أبدو بهذا الشكل! فكر عزيزي فكر!

إذا ما المرجعية! هناك مرجعيتين، واحدة متجاوزة وهى تستند إلى الله والدين والقيم والأخلاق، والأخرى مرجعية مادية، تستند إلى المادة، أي إنك تعبد المادة دون علمك أو بعلمك، والآن دعونا ننظر إلى أفعالنا بشكلٍ أخر، هل أشتري لاستر نفسي بمفهوم الأمر الإلهي، أم أشتري لكي أواكب الموضة المتغيرة!؟ مِنْ هُنا ستدرك فضاحة ما تفعله!؟ ذكرت في المقال السابق الذي يعتبر مدخل إلى هذا المقال لمفصل نوعًا ما، أن الموضة هى فعل ما بعد الحداثة، أي جعلوك أنتَ شخصيًا أداة يسهل التحكم بها، وهذا ما نشاهده خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، هنا تخرج لنا شخصية ما لا نعرف عنها شئ، تتحدث في فيديوهات لا أهمية لها على الاطلاق، وتبدأ مشاركتها والتأثر بها، ربما لن تدرك إنها تؤثر عليك في وقتها، ولكن عقلك له قدرة فائقة على التخزين وظهور ذلك التأثر في مواقف عدة فيما بعد، وهذا لا يحدث فقط في مجتمعنا المصري بل يحدث أيضًا في المجتمعات الغربية، لذلك فهي ظاهرة عالمية، تهدف إلى اسقاط أي شئ يجعلك تفكر بشكل جيد، ومعرفي، يجعلك تصبح تشبه آلاف بل ملايين الأخرين مثلك، تتكلم في نفس الكلام التافه، تتأثر بنفس الآراء والمواقف دون تفكير، لا تفعل شئ سواء ضياع الوقت دون طائل يذكر، وأي محاولة منك للخروج عن هذا، فيجعلك من المخابيل والمعاتيه، العلمانية هى حياة سطحية، سهلة، سريعة، مخربة لعقل الإنسان وحواسه، وتفكيره وسلوكه، وتغير من فطرته ومعتقداته وإيمانه.

إنسان ما بعد الحداثة وقبله إنسان عصر الحداثة، إنسان بائس بحق، رغم كل التطور الذي وصل إليه، فهو يجري ويلهث، لكي يبدو مثلهم، لكي يفعل ويشرب ويأكل مثلهم، فهو يريد أن يكون سندوتش هامبورجر سهل التحضير وسهل الأكل، يلهث ويلهث، ثم لا شئ! يخسر نفسه وامانه واطمئنانه وحياته في سبيل الجري وراء الموضة، سواء الموضة التي يرتديها، أو الموضة التي يتكلم بها من كلمات، أو ادعائه لثقافة لا يملكها من الأصل، وعلى سبيل المثال: كم الفيديوهات التي تتحدث عن العلاقات السامة! العلاقات الفاشلة موجودة منذ أبد الدهر، لماذا الآن الكل يتحدث ويردد هذا المصطلح "توكسيك" بالإنجليزية! إنها الموضة عزيزي القارئ، وإذا لم تقول تلك الكلمة ستكون من النمطيين، راجعوا مرجعيتكم، تأملوا لماذا تفعلوا كل هذا!

ننتقل إلى دعوات تحرر الإنسان وتحرر المرأة وتحرر الطفل، هى دعوات تفكك في الأصل وليس تحرر، تفكك الأسرة لتصبح مشوه، فتقدم جيل كامل مشوه نفسيًا وفكريًا، دعوات تحرر المرأة، هى دعوات لهدم الأسرة في الأصل أيضًا، والتفاصيل تطول في هذا الإطار، ماذا يعني تحرر المرأة؟ ما المرجعية التي تستند إليها هذه الدعوة، أن تتعلم! أن تعمل! أم أن تلجأ للعري فهو حرية! وأن لا تتزوج ويمكنها أن تمارس فعل الحب! فهذا حرية!، سقوط القدسية عن الجسد! هل هذه هى الحرية التي يريدونها! إذا ما مرجعيتهم! سنفهم أيضًا أنها مرجعية مادية بحتة، تقدس الجسد وليس أكثر من هذا! إذا فلا يوجد هناك أي مرجعية أخلاقية في كل تلك الأفعال.

فأصبح الإنسان يعبد هواه، وأبعد عن منظوره الدين والأخلاق والقيم؛ لأنهم نجحوا في اسقاط كل تلك المفاهيم، وهذا يظهر جليًا في الأفلام التي تقدم، والأغاني التي يسمعها الشباب المراهق، المسلسلات وحتى بعض الأعمال الأدبية التي تنتج تحت مظلة الإبداع، فما مرجعية كل تلك الأعمال، فكرعزيزي القارئ قبل أن يمر الوقت بكَ! وأن التكنولوجيا المتقدمة والتي مازالت أخذة في التقدم، أحد أهم أسباب انهيار المجتمع بالتدريج، وفي خلال الأعوام القادمة، ستروا مدى الخراب الذي سيحدث بيننا في كل نواحي الحياة، بسببها..

أنا لا أدعو بإن لا تلبس ملابس جميلة أنيقة، ولا أن تعتني بنفسك، ولا أن تبتعد عن مشاهدة الأفلام، والاستماع إلى المزيكا، أنا لا أدعو إلى الانعزال، وعدم السفر، بل ادعو إلى التفكير، وأن تدركوا هذا العبث، بشكل يجعلكم تدعوا مرجعية سليمة صحيحة لما تقوموا به، وهذا ينطبق على الحديث الشريف، "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى"، فحاول أن تفهم أولًا لماذا تقوم بهذا الفعل، وأن تصحح ما تقوم به، وتبني فكر، فكر وأفعال نابعة منك، وليس تقليدًا أعمى للآخرين.

وسيكثر من حولك، ماذا ستفعل أنتَ أيها البائس، نحن خرجنا وجدنا حولنا كل ذلك!، فماذا ستطيع أنتَ لتفعل، وهذا ما يريدونه، أن يهزمونا وإذا هُزمنا من الداخل فلا أمل في التغير أي شئ، فغير نفسكَ، ثم حاول أن تغير ما حولكَ، إذا صمتنا جميعنا، فهو هلاك محتم، فلا تعيش في خراب وتصمت فيزيد الخراب، فكر في كل فعل، رُده إلى مرجعيته، وتأمل ماذا يحدث حولكَ، وهل تريد أن تكون جزء من هذا العبث!

وسأعيد قولي بإن الثقافة ليس لها أيةً علاقة بالاكتئاب، وأن الأمل يكمن في المفكرين والعلماء والفنانين، وفمادام الله موجود، فهناك أمل في كل شئ... ادعو الله لي ولكم بالبصيرة....

منة الله عامر


Comments

Popular Posts