آرثر والطفل
"كنتُ أظن أن حياتي مأساة، لكن الآن
أًدرك أنها كوميديا"
دلفتُ
إلى العيادة واستلقيتُ على كرسي طبيب الأسنان، وأثناء فحصه لأسناني المُرهقة، ذات
لحظة طويلة مملة أكرها كل الكُره، سمعنا صوت صراخ طفلًا، وصوت ارتطام ضربة على
جسده، الطبيب توقف عما كان يفعل، وفتحت عيني في دهشة مع علو بكاء الطفل، اعطاني
الطبيب حقنة مخدرة، وقال لي: عندما يبدأ المخدر في العمل، أدخلى لي ثانية لبدأ
العملية، وكان هذا بداية الآلم، خرجتُ وجلستُ مع المرضى المنتظرين في الخارج، وكان
الطفل ومعه والدته.
وهناك صعقتُ وجدتُ وجة الفتى به ثلاث "خرابيش" ومحمر
أحمرارًا لا تصدقه الأعين، والأكثر وجعًا أن من ضربه كانت والدته، عرفت هذا من أحدى
المنتظرات التي كانت بجواري، هنا أدركت لماذا يصبح الطفل عندما يكبر غير سوي،
ولماذا يصبح عدوانيًا ولماذا يعذب حيوانًا أو ربما تنمو في داخله عقدة فيقتل،
ويغتصب ويسرق.
منذ أكثر من خمسة وعشرون عامًا، عُرض على
شاشات التلفزيون مسلسل عائلي، للفنان محمد صبحي والفنانة الراحلة سعاد نصر رحمها
الله، وكان يحمل اسم بطل المسلسل "يوميات ونيس"، هذا المسلسل من أحد أهم
المسلسلات التي عرضت على شاشات التلفزيون؛ ليس لأن البطل هو محمد صبحي، كوني من
أشد المعجبين به، بل لأنه كان يحمل قيمة ربما لن يقدرها الكثير، كان يحاول أن
يعالج الظواهر الأجتماعية المنتشرة والتى للاسف الشديد مازلت منتشرة، كان يعالج
الأخلاق المنحلة، كان يضع أساس تكوين الأسرة السوية، يعالج أحداث يتعرض لها كل منا
يوميًا بشكل خفيف وكوميدي وذو قيمة، فكان يعالج حادثة كتلك التي حدثت في عيادة
الطبيب "الأم وطفلها"، ولا علم لي كيف لها أن تضرب ابنها بتلك القسوة،
وتسمى أمًا، كيف لها أن تنام بعد ما فعلته به أمام الجميع، "يوميات ونيس"
هو مسلسل شامل، لما يحويه من معاني وقيم ومبادئ وحبا لزوجته والاحترام المتبادل بينهما، وربما أظهر البطل مثالي بشكل لا
يمكن تحقيقه، ولكن على الأقل يمكننا أن نتمسك بأخلاقنا ومبادئنا المبنية على
تعاليم ديننا الحنيف، بأن لا تضرب أى شخص على وجهه، فما بالك بطفلك الصغير، الذي
يتعلم من أفعالك أنتَ وتُثقل شخصيته على يديكَ.
يُبين
المسلسل كيفية تقويم أطفالنا، تنشئتهم تنشئة سوية؛ لكي يصبحوا أفردًا نافعين في المجتمع،
وأباء عظماء وأمهات فضليات، كانت تلك هى افتتاحية المسلسل، شاهدوه ثانية، شاهدوه مرارًا.
جاء دور فيلم "الجوكر" الذي لا يعرض فقط
معاناة "آرثر" بل ما يصيب المجتمع من جفاء وقلة علم وأخلاق، ربما لا يعرفوا
معنى الأخلاق حتى!
بدء الفيلم بضرب "آرثر" وطرحه أرضًا، هذا المهرج الذي يلون
وجهه العابس ليضحك الأخرين، وهو مليئ بالندوب والآلآم والمرض، هكذا وضح لنا
المُخرج أول سبب في تشكيل مأساة البطل، وهم مَنْ حوله، وليس لكونه وُلدَ شريرًا.
"آرثر"
نحيف، يُعاني من مرض عقلي، الأكثر مأساة أنه يعي تمامًا أنه مريض، وصنع لنفسه بطاقات
تصف مرضه؛ لكي يمنحها لأي شخص شك بأمره أو عندما تصيبه حالة الضحك الهستيرية، آرثر
ليس شريرًا، آرثر عانى وفوق كل هذا مريض، ولكن لا أحد يعلم كيف يشعر المريض،
فينتظر منه أن يتعامل كأى شخص أخر.
الغير أو الذي لا يشبهني، ربما هو ضعيف،
ربما فقير، ربما أنطوائي، وربما مجنون، فماذا نفعل! الكثير يبتعد، الكثير يتهكم،
الكثير يسخر وهذا هو الأكثر إيلامًا "السخرية"، لماذا تسخر ممن لا تعرفه! اذا لم تتمكن
من تقبله، فقط لا تؤذيه ودعه وشأنه، قُل خيرًا أو اصمت، أفعل خيرًا أو لا تفعل، ولكن
لا تكن أنتَ سببًا أخر في إلامه.
الجوكر يمثل الكثير مننا، يمثل الفقر،
ويمثل المعاناة والمرض والإساءة والتربية القاسية أو اللاتربية، الجوكر يمثل الطبقية
والعنصرية، يمثل كل الأشياء السلبية التى بمقدور أى حدًا منا أن يمر بها.
صور المخرج وقبله المؤلف، كيفية تحول
آرثر إلى الجوكر القاتل، وأن مَنْ حوله هم مَنْ جعلوه قاتل، أنا لست مع تبرير القتل،
ولكن تأملوا ماذا يمكن لأسرة غير سوية ومجتمع متهدم أن يفعله بطفل ونفسيته، ماذا
يمكن أن تفعله معاملة سيئة وعدم وجود حب واحتواء بطفل صغير لا يعي شئ، ماذا يمكن
لضربٍ واهمالٍ أن يفعله بطفل صغيرعندما يكبر وهو محاط بكل تلك الشرور، تأملوا معي
ماذا يمكن أن يحدث!
وليس فقط الجوكر نموذجًا لتربية خاطئة أو اساءة واهمال لطفل، ولكن السافحين أيضًا كان لهم نفس التاريخ الأسري الغير سوي، وأن معظمهم له عقد متأصلة منذ الصغر وليست الأسرة فقط هى السبب بل أيضًا المجتمع الذي يبدأ من الأسرة ثم يكبر للجيران ثم المدرسة ثم الشخص وما يقرره في داخله، وهو أن يقتل ثأرًا لنفسه وما تعرض له من اهمال، وعدم تقدير وحب واحترام، كلٌ منا بحاجة إلى أن يُسلط عليه الضوء، أن يشعر بإنه محبوب، بإنه موجود، أن يشعر بوجوده في أسرته أولًا ثم مجتمعه، فإذا سُلب منه هذا كله، فمن أين يكتسب وجوده!
لذلك تذكرت مسلسل يوميات ونيس، وما كان
يحاول أن يصلحه وتذكرت فيلم الجوكر وما يحمله من مأساة، ربما يتعرض لها آلالاف
الأطفال بشكل يومي، فلا تستهينوا بضرب طفلًا، فالأطفال لا تنسى كما تتوقعون، ولا
حتى بإهانته بكلمة أو تصرف أخرق، أو عدم اظهار الحب له وسماعه واحتوائه واهمال مشاعره البسيطة.
لابد أن تدرك جيدًا ماذا يعني أن تكون
سويًا نفسيًا، قبل أن تقرر تكوين عائلة وأسرة، وأن تتعلم كيف تربي ابنًا وابنة
خاليين من العقد والمركبات النقص المختلفة، وكيفية منحهم الحب والاستماع اللازم.
الطفل نبتة صغيرة، يكبر على ما نسقيه،
ونزرعه به، فاحذر أن تسقيهِ قسوة وعنف وظلم وازدراء أو أن تغرز به قلة الثقة بالنفس
والحديث السلبي المتكرر، تعلموا أنتم أولًا كيف تكونوا أسوياء قبل أن تتزوجوا
وتنجبوا أطفال لا تعلمون كيف تربوهم ليكونوا عظماء، وليس سفاحين أو قتلة.

.png)

Comments
Post a Comment