تَملي في بالي وفي قلبي

  


   
      مساء أمس، نشر أحد الأصدقاء على الفيسبوك، فيديو كليب لأغنية "تملي معاك" لعمرو دياب، المثير للعبث أنني تذكرت طفولتي مع هذه الأغنية، وأدهشني كم مر الزمن بتلك السرعة؛ حيث مضى على ذلك الفيديو كليب أكثر من تسعة عشر عامًا، أى أنني حينها كنتُ طفلة تبلغ من العمر ثمانية أعوام، وكأي طفلة كنتُ أملك خيالًا واسعًا، لن استرسل أكثر من ذلك وادخل في صلب الموضوع -كما يقولون-.

     في بداية الفيديو "عمرو دياب" واقفًا في غابة تحاوطه الأشجار، ويبدأ في الغناء ثم ينتقل بنا المُخرج لبهو جامعة ما؛ حيث الفتاة التي يُغنى لها المطرب، من هنا تبدأ أحداث الفيديو كليب، فتاة جميلة تنظر إليه مرة ثم تشيح بنظرها سريعًا خجلًا بإن يراها ثم تنظر مرة أخرى، ثم ننظر إلى لمعة عينيها فنعرف إنها معجبة به، ثم يُغني عمرودياب مرة أخرى: "تملي في بالي وفي قلبي ولا بنساك تملي واحشني لو حتى بكون وياك"، ثم ينقلنا المخرج للمشهد العشاء، وهى تدخل في خفةٍ لمكان المائدة ثم تنظر له في خجل مصطنع وهو يطيل النظر، ويركز المخرج الكاميرا على عينيه، وهو يهيم بها حُبًا...

    لن أكذب عليكم: كنتُ أظن في ذلك الوقت أن هذا ما يحدث عندما نُحب، سننظر لمن يختاره القلب ونعلم إنه هو الشخص المختار! نكمل معه حياتنا في تبات ونبات كما قالت الحكايات!
   ولكن عندما كَبرتُ أدركت أن كل ذلك محض دعابة وتجارة، وللأسف تترسخ في عقول الأطفال ليغدو شباب ويطمحوا في حدوث ذلك، -لكنه يحدث فقط في الأغاني والأفلام-، ونشاهد فيديو كليب "روبي" وهى تغني بثقة جامحة! "ليه بيداري كده وأنا لا أداري كده"! تسأل المغنية سؤال وجودي أخر! لتبدأ عنده أحداث قصة الحب المرسومة بعد ذلك.

    ستكبر وتدرك أن الحب وحده لن يكفي، لن يؤسس بيت أو أسرة سوية نفسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، أسرة أعضاءها نافعين، لن يحدث لمجرد أن من تحب هى أجمل الجميلات، ولا لأن الرجل هو أغنى الأغنياء، لن تستمر بهذا الحب إلا شهر أو شهرين أو ربما خمسة شهور إذا كنت محظوظًا وأحد والديك دعا لكَ بضمير حي.
     الحب وحده لن يكفي لنختار من يكمل معك الدرب، وأن الحب لن يجعلك تتجاوز خطوة واحدة بعد أي مشاجرة لكما، إذا لم يكن هناك تفاهم ورحمة، وتآلف في الطباع والتعامل والثقافات، وإذا لم يكن هناك احترام ورضا وتقبل للعيوب ومميزات الطرف الأخر.

    فلن تكفي تلك النظرات التى تبادلت في بداية الأغنية، اذا لم يكن يعتبر أن كلمته وعد، وأن لابد للوعد بإن ينفذ، وإذا لم يكن هناك رجولة حقيقة وأنوثة حقة، أما غير ذلك فهو مجرد شكليات خارجية جوفاء، بلا معنى ولا جدوى؛ يتخذها البعض ليقنعوا أنفسهم أنهم مُحبيين أو واقعين في الحب.  
    الحب ليس فقط التغني للمحبوب أو عنه، أو كتابة الشعر له والعزف له، الحُب رُقي وصبر وتحمل ومشقة وود واحترام وتقدير، وأكثر من ذلك رحمة وسكن، فإذا لم تشعر بهذا في علاقتكَ فيجدر بكَ إعادة النظر بها، فلا حب حقيقي بلا رحمة، ولا اعذار للقطيعة.

الحُب أن تصمتا فتتلذذا بذلك الصمت، أن كُلًا منكما يعلم مقدار مكانته عند الأخر ولا تتوقفوا عن اظهار هذا القدر وتلك المكانة، فلا تهتزوا بخلاف، ولا تفسد علاقتكما هدنة، أما الشك فلا مكان له في الحب.
   أما أنا فأحب "عمرو دياب" وأغانيه، لذلك كنت ومازلت فتاة حالمة بتلك القصص الغنائية، ولربما حظيت بها ذات يوم، ولكنها الآن جعلت منى أكثر فتاة واقعية متمردة.
دمتم رحماء ومحبيين، وداموا أحبائكم ببالكم طوال الوقت.

منة الله عامر   

Comments

Popular Posts