رفيفُ أجنحتكَ




     ربما عند بلوغك العشرين من العمر أو أقل أو أكثر، ستتعلم جيدًا أن لا أحد سيجعلك شخصًا أفضل، لا أحد سيساعدك لتحصل على شئ تريده، ولا أحد سيمدك بكل ما تريد لتعيش الحياة التي ترغب بها، وإن فعل أحدهم ذلك مرة واحدة، ربما لن يفعلها ثانية، هكذا هى الحياة ... جميعهم سيعرضون عليك المساعدة ولكن لا أحد في الحقيقة سيربت على كتفيكَ وقت الجَد، ولن يخبركَ أحد بتلك الحقيقة إلا متأخرًا، أو ستكتشفها بمفردك عندما تقع مرارًا وتنتظر أحدهم لينتشلك، ولكن لن يأتي أحد...

   حاورت أخي الصغير منذ عدة أيام، حول الموضوع ذاته؛ لعله ينجو قبل أن يغرق في بحر الحياة، فالحياة بحر كبير كما الحب بحر عميق، الحياة فعل مقاومة لموجٍ عاتٍ؛ عليكَ أن تجتازه بمفردك، لن يجتازه أحد غيركَ مهما كان حبهُ لكَ أو قربهُ منكَ، لن يجتازهُ والدك ولا والدتك ولا أخوتكَ -عوضًا عنكَ-، الحياة ربما هى كئيبة في بعض الأحيان، ربما هى أكثرمن ذلك، ربما تكون غير منصفة تارة وغير قابلة للعيش تارة أخرى، ولكن لا مفر من أن تحيا بها ما كتبه الله لك من عمر، فعليك أن تتعلم بمفردك أن تتجاوز الأمواج العاتية، دون مساعدة أحد.

    لن ترى نهاية الحياة لعُمقِها؛ فالنهاية ضبابية غير قابلة للتوقع أو الرؤية، أنتَ لا تعلم كيف كانت بدايتها، وكيف كنتَ أنتَ منذ عشرين عامًا، لن تتذكر كيف كَبُرت بتلك السرعة، وكيف أصبحت بهذا القدر من الثُقل، ربما ستتذكر فقط إنكَ اخفقت مرة أو أثنان أو أكثر من ذلك ولا يهم عددهم في أي شئ، طالما تعلمت من كل اِخفاق مررتَ به.

    الحياة ربما ترتدي لكَ ثوبًا قاتمًا يشعركَ بضيق مرة ويشعرك بالتعاسة المفرطة، ولكن جَلَّ ما تفعله هو أن تقاوم، لن تقوى في أيام كثيرة على المقاومة، "نعم" ستستسلم لشعور التعاسة والحزن، وتشعر بإنكَ تغرق في بحرها الهائج الكبير الذى لا مكان لكَ به، أنتَ قشة تائهة  وسط بحر كبير لا تستطيع أن تسبح فيه مع التيار أو ضد التيار؛ لكي لا تنجرف ستقاوم الغرق، وهذا أقوى فعل يمكنك أن تقوم به؛ كى لا يبتلعك البحر.

    لن أكذبكَ الحديث وأقول لكَ الحياة جميلة، ربما هى جميلة في الواقع ولكن على طريقتها الخاصة، ولكن الحياة شئ لابد منه، فإذا كنت قررت الاستسلام في خضم صراع لا مفر منه، ففكر ثانية، ربما هناك أشياء ترغب في تجربتها، تود فعلها، ربما هناك مهمة لكَ أنتَ الوحيد القادر على إنجازها، حتى لو كانت إطعام قطة صغيرة، فأنتَ وحدك الذي يقدر على إطعامها، فوجودكَ بلا شك، له معنى وله قيمة.

    ربما كانت الحياة بحرًا هائجًا متلاطمًا يموج بك، ولكنكَ ستتعلم فيها كيف تقاتل بضراوة، وتلك الأيام التى يتملكك بها دوار شديد، التقط بعدها أنفاسكَ ثم اكمل طريقكَ دون هوادة.
    الحياة قاسيةٌ غير منصفة شرسة، ولكنها تحمل في طياتها الكثير من الجمال وهذا الجمال لن تراه إلا إذا صنعته بنفسك، وتذكر دائمًا أنه لن يساعدك أى شخص مهما كان قربه منكَ وحبه لكَ، أنت وحدك في خضم حياة لا مفر منها، فتعلم كيف تجتاز أى شئ بمفردك، فلا أحد سيكون طوق نجاتكَ...

   تلك هى الحقيقة الوحيدة التي تعلمتها وأدركتها بعد عشرين عامًا من محاولات النجاة من الحياة، ربما لن أستطيع أن أصمد عشرون عامًا أخر، ولكنك عزيزي القارئ تستطيع أن تصمد، مهما عركتك صروف الحياة.
    الحياة فعل مقاومة عليك أن تنجو منها بأقل قدرِ من الخسائر، وحبذا ألا تفرط في مبادئك؛ لكى تكسبها، فتلك هى مفارقة الأبطال الحقيقة، كيف ستنجو منها؟ وما وسيلتك لفعل ذلك؟

    أنتَ تعلم الصالح من الطالح، لذلك لن أطيل عليكَ الحديث أكثر، أعلم أن وقتكَ ثمين، لذلك بعد أن تعي كلماتي تلك، اذهب وانجو من الحياة بطريقتك الخاصة، وتذكر أن تفرغ من كل ما تريد فعله قبل ذهابكَ الآبدي...  
سأختم بمقولة لأوكتافيو باث: "لا أحد يُنقذكَ وأنتَ تسقط في الفراغ، سوى رفيفُ أجنحتكَ". 
    الحياة بحر كما الحب، النجاة منه لن يخلو من الشروخ والخدوش والآلم، فلا تنتظر طوق نجاة من أحد، اصنعه بنفسك وتعلم السباحة في خضم أمواج لن تتوقف عن لِفظكَ وعَصفكَ وشطركَ ... لن تتوقف...

منة الله عامر

Comments

Popular Posts