وَهم البدايات




    حالة الاندفاع التى تنتابنا عندما نُعجب بشخصٍ ما أو عند إعجاب شخص ما بنا، تلك الحالة  التى تجعلنا نَفقد لُب عقولنا وزمام أمورنا ليست بحالة جيدة على الإطلاق، يقولون عليها حاليًا الانبهار بالبدايات وسرعان ما يتتضح حقيقة الشعور، فربما هو وَهمْ اللحظة التى صادفتكم معًا، أو ربما أسباب كثيرة أخرى لا مجال لذكرها الآن، فالعبرة دائمًا بالخواتيم، لن أقول لكم "كيف تختارون شريك الحياة"، فلا شأن لى بتلك النصائح، ربما تذهبون إلى محاضرة أو تستمعون لبرنامج ما يأتى لكم بنصائح مثالية، ولكنى هنا فقط لأحذركم من النقاط التى قد تقعوا فيها، نتيجة للذلك الانبهار الزائل.
    لا أحد يُنكر أن شعور بأن هناك أخر يحبك ويهتم لأمرك، أمر جَلل ورائع وله حلاوته، ولكن ليس كل من يحبك ويهتم لأمركَ، مناسب لكَ، فلا تندفع وراء مشاعر لا تعلم مدى نفعها لكَ أو عدمها، فالحب جزء من جموع مشاعر أخرى وصفات أخرى لا بد أن تكون متواجدة فى شريكك المستقبلى، ففى بداية الأمر لا تندفع، لا تتسرع ... فكر ثم فكر ثم خذ القرار... سيأتى أحدهم ليقول لى: أن الحب قدر، الحب ليس قدرًا حتمى، القدر هو أن تقابل أشخاص معينة فى وقت معين، القدر هو معرفتك بذلك الشخص فى ذلك الوقت لحكمة ما، وليس مشاعرك اتجاهه قدر، فأنتَ من يُكبر أو يقلل أى مشاعر تنبعث منكَ، أنتَ من تُغذى مشاعركَ.  
بعد البداية، كُن حذرًا، لا تنخدع بمديح أحدهم أو بذم أحدهم عن  ذلك الشخص، لا تستمع لأحد، فعلاقة شريك الحياة مختلفة تمامًا عن علاقة صداقة أو قرابة أومعرفة عادية، ففى الثانية يظهر فقط ما يود أن يظهره لآخرين، وفى الأولى كل الأمور تتضح على حقيقتها، فلا تنخدع...
لا تأخذ قرارًا، لا تقطع وعدًا، لا تقل كلمةً، دون أن تفكر وتحسب كل حساباتكَ جيدًا، فكر ثم فكر...
مرة أخرى لا تتسرع أو تندفع وراء شعور لا تعلم صحته، حالة الاندفاع ربما البعض يلقبها بالاعجاب، عادة ما يُصاحبها قرارات خاطئة... فلا تندفع..
تأمل التصرفات والأفعال والكلمات، لا تمنح كثيرًا، قبل أن تتأكد أن هذا الشخص يناسبكَ، فربما كان شعوركَ اتجاهه وَهمْ سيتلاشى مع الوقت؛ سيتلاشى ليس لإنكَ شخص سئ، "لا" يستلاشى لإنه لم يكن الشخص المناسب لكَ على كل المستويات سواء أكانت فكريًا وثقافيًا أو حتى لعدم وجود اهتمامات مشتركة..
العديد من العلاقات لا يوجد بها تكافئ، أقصد بالتكافئ ليس المادى بلا شك، فالمادة ليست من أولويات إنجاح أى علاقة، فكم مِنْ أثرياء لكن تُعساء ومصابيين بالاكتئاب، فهذا ليس ما تبدو عليه الأمور فإذا غلبت المادة على الحياة، اصبحت الحياة بلا قيمة، ولكن ما يُعننى هنا هو التكافئ الفكرى والروحى والأحلام والوجود، التفاهم بين الطرفين والحوار واحتواء جميع المشاعر سلبية كانت أم إيجابية، هذا هو التكافئ.  
لا تدخل علاقة بدافع الهروب من الوحدة، أو أن ذلك السن هو المناسب للزواج، أو لتجد ضالتكَ عند الطرف الأخر، فعادة ضالتكَ بداخلكَ (لكن ليس هذا حديث اليوم)، فقط كُن واعيًا، كى لا تجرح أحد أو تأذى ذاتكَ.
جميعنا كما سبق الذكر ننبهر بالبدايات فهى خلابة بلا شكَ، فربما باقة الورد التى تُهدى لكَ هى شوك، سيجعل يديكَ تنزف ذات ليلة، وربما الكلمات المعسولة "سهام"، ستصيبكَ ذات يوم، وربما الضحكات فى البدايات هى دموع مخزنة لكَ، احذر البدايات مهما بدتْ لكَ جميلة ولامعة.
هل نفهم من ذلك أن العلاقات جميعها خطرة!
 "لا"، الحُب مُخاطرة فى حد ذاته، ولكنه مخاطرة جميلة ومغامرة جميلة ولكن مع الحذر وعدم الاندفاع ستغدو ألطف، الحب ساحة بين إثنان، ساحة هادئة وإن اشتعلت ذات يوم فبحكمة واحتواء يمكن أن تنطفأ، الحب شعور ناضج لن يستمر إلا بالنضوج الكافى والتعقل، وليس العند والتكبروالغرور وتميز طرف عن الطرف الأخر والأنانية، الحب ساحة بها دفئ يُذيب المشكلات والعقبات، بها إحتواء وتفاهم وتقبل الطرفين للعيوب ومميزات الأخر، وليس تجاهل وإهمال لمشاعر الأخر، ساحة بها طرفين كُلًا منهما يُساعد الأخر على إنجاح العلاقة ليصل كُلًا منهما لما يتمناه ويسعدان معًا.
الحُب ساحة بها احترام، وتضحية ونقاش عميق وصبر بلا تأفف ورحمة وود وطمأنينة، ووعى بمشاعر الشريكان والقدرة على احتوائها فى كل الحالات والأوقات، فالحب ليس فقط شعور شعرت به ذات مساء إنما هو رحلة تُبنى بواسطة الشريكين معًا، وتُبنى على كل تلك المشاعر والصفات التى إذا سقطت منها جزء، تُهدم وتسقط بلا شك.
ويبقى الحُب حالة لا يُمكن لأحد أن يصفها كاملة ويكون على صواب، فهو كباقى المشاعر أمر نسبى يختلف من شخص لأخر، ولكن الأساس هو إنه ليس هذا الشعور العابر فقط، فالحب وحده لا يكفى لإنجاح علاقة، التفاهم والاحتواء والصبر والرحمة والنضج، هم مَنْ أساس العلاقة السوية. فالحب فعل نضوج وشعور جنونى، فكُن واعٍ لمشاعركَ حتى لا تأذى نفسك وغيركَ، الحب لا يجعلنا نيأس أو نهرب أو نتعصب! الحب كما به الكثير من الضعف فبه الكثير من القوة، التى تجعلنا نفوز وننتصر، الحب نضوج وحرية ومغامرة جريئة، لا تخشى فشلها ولكن  كُن على قدر كافى لاستيعاب ما قد يحدث به، فلا تعبث بمشاعر أحدهم قبل أن تتأكد من قُدرتكَ على إحتوائها بشكل سليم.
"احذر – فكر – افعل – عَبر – ثم خُذ قرارك".

منة الله عامر

Comments

Popular Posts