ما وراء الطبيعة ... العراب
أتذكرأول مرة أمسكتُ بها بكتاب، كان موضوعًا على قمة مجموعة من الكتب جميعها يحمل نفس العنوان وهو سلسلة ما وراء الطبيعة، كنت فى الصف الرابع الابتدائى حينها، لم أكن أعرف ما تعنى "ما وراء الطبيعة"، ولكنى وقعت فى حب العنوان ودفعنى الفضول لقراءة الكتيب الصغير، ادرت الكتاب إلى غلافه الخلفى وقرأت نبذة عن الكاتب، اكتشفت انه دكتور، سألت والدتى -رحمها الله-، كيف لدكتور أن يكتب!؟، لم أكن على إطلاع حينها بإن الكتابة موهبة! لا يشترط بها المهنة أو الدراسة، أكملت فى قراءته على أمل أن أجد شئ غريب، وبالفعل وجدت عالم أخر ملئ بمصاصين الدماء وأمور جديدة على طفلة مثلى، أحببته وكنت أنتظر من أخى الأكبر أن يشترى الجديد من السلسلة، أحببت ما يكتبه وقعت فى حبه منذ طفولتى، واصبحت محبة للعالم الرعب وماوراء الطبيعة، أحببت القراءة على يده والخيال على يده، عشقت معه ذلك العالم الخيالى الذى يكتبه، شعرت إننى أغوض معه فى فكره وفى عقله، شعرت معه أن الحياة ممكن أن تكون مقبولة إذا قراءنا ودون القراءة لن نتحملها، جعلنى أعشق القراءة رُغمًا عنى، ممللت أحيانًا ولكنى كنت أعود لأقرء من جديد ما يكتبه، دكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله، كان سببٌ فى جعل الكثير منا يقرأ ويتعلق شغفه بالمعرفة التى يقدمها فى ثنايا كتبه.
عندما فوجئت بخبر وفاته، شعرت بأن الأرض
توقفت، لم أنطق، انتبانى ذلك الحزن الذى لا تفهم ما الذى يمكن أن تفعله فى تلك اللحظة، هل ستبكى أم تصمت أم ستظل فى تلك الحالة محملقًا فى سقف الغرفة لا تفعل شئ سوى ان تفكر فى الفراغ الذى سيخلفه من بعده!،
لم أحسب بإن تلك اللحظة قريبة أو يمكن أن تحدث بتلك السرعة، كنت انتظر مقالته
القادمة وكتابه القادم، تسألت لمَنْ سأقرء الآن، وكم كنت أتمنى أن أراه مجددًا وألقى
السلام عليه، كنت أتمنى أن يستمر فى الكتابة التى عشقها أكثرمن الطب، وجعلنا نعشقها
معه، ونستمر نحن فى القراءة له، ولكنه سيظل مخلد بقلوبنا، بكل حرف وكلمة وسطر شكلت
فقرة ثم فصل ثم كتاب ملئ بالمعلومات والأفكار الشيقة التى اذهلت عقولنا منذ أن كنا
صغار ونحن نبحر معه بعوالمه الخاصة، نكتشف معه ونضحك معه ونبكى ونفرح معه، ونفكر معه
ونستنتج معه، كان لنا أكثر من كاتب نقرأ له، كان لنا سفير الأحلام الذى يجعل من
أحلامنا واقعًا نعيش به ونحلم بتحقيقها معه فى كل كتاب يقوم هو بكتابته، اكتشفنا عبقريته في مقالته الساخرة، ساهرنا
معه ومع سطور كتبه، كان سبب فى نشأة الخيال الخاص بنا.
العراب كان حياتنا التى كنا نحياها بعيدًا عن
زحمة الحياة وهمومها، كان قلمٌ ينضح ويكتب بدمه ليجعلنا ننموه معه، رحمه الله
عليه، سلام لروحه التى تركها بنا، تركها فى كل كلمة وسطر سطره ليدخل فى قلوبنا
الأمل والإبداع الذى جعلنا نرى الحياة ممكنة.
سلامٌ لروحكَ المبدعة وخيالك المنعم وسخريتك
الضاحكة التى ابكتنا ضحكًا تارة وحزنًا تارة أخرى، نعلم إنكَ تشعر بنا وترانا من أعلى وربما تبتسم لإننا نحبكَ على قدرحبكَ لنا وأكثر، لك السلام والرحمة والحب، عراب
عقولنا التى داعبتها بقلمك؛ فصرنا أولادك رغم قلة اللقاء المباشر، ولكننا سنلقاك
فى كُتبك وبين سطوركَ، التى خلفتها من بعدكَ.
لروحكَ الجميلة البقاء والسلام، رحلت لتبدء
من جديد حياة أفضل تليق بك أكثر، ولكنك باقى فى عقولنا وقلوبنا، خالد بيننا،
لروحكَ السلام على أمل اللقاء بكَ وبمن سبقوكَ...
د.أحمد
خالد توفيق، رحمه الله.. منة الله عامر


.png)

Comments
Post a Comment