عن ذلك الحزن القابع بداخلك ...
تلك الكلمات لمَنْ تعرض للفقد، ليس رحيل
الحبيب والبكاء على أطلاله كما يغنون ليل نهار، بل أسوء من ذلك، رحيل فرد من
أسرتكَ رحيل أم أو أب أو أخ أو أخت أو أى قريب لكَ، إليكَ بعض الكلمات ولعلك سمعت
فى تلك الفترة "كان الله فى عونك" وما إلى ذلك، وبلا شك هى كلمات مهمة
للتثبيتكَ ولا محال فهى كلمات للخالق ودعوات رقيقة، لأن كل ما حدث ويحدث وسيحدث من جميل صنعه فلا
مجال للإعتراض على أى شئ، ولكنى حديثى هنا مختلف قليلًا لعل البعض يعرفه والبعض الأخر لا يعرفه...
حديثى هنا عن ذلك الحُزن
القابع فى صدركَ، الذى ينهش بكَ ليل نهار دون وعى منكَ، ولعله سيغرقكَ فى مُحيطه ويبتلعكَ،
ولكى تتجنب حدوث ذلك، عليكَ الاقتناع بأكثر من أمر:
-
الأول: أن ما حدث هو ما قّدره الله لنا ولهم،
ولم يكن بيدكَ شئ لتمنعه.
-
الثانى: أن تتعلم وتُدرك إنكَ ضئيل أمام عظمة
الله وقدرته على الأخذ والعطاء.
- الثالث: أن الله يختبرنا فى كل لحظة، وما حدث هو اختبار ليرى الله مدى إيماننا
به، هل سيهتز ذلك الإيمان وينخلع من جذوره وتكفر، أم ستثق أكثر وتتحلى بالصبر
والإيمان وتُعيد نظرتك فى كل شئ من حولكَ.
لا أقول تلك الكلمات وأنا يداى بالماء
البارد كما يقولون، لا ... يا عزيزى القارئ/ عزيزتى القارئة، لقد رأيت الموت
وتعايشت معه وشممتُ رائحته مِرارًا على مدار ثلاث سنوات، رأيتُ المرض والضعف
وشعرتُ بالعجز وقلة الحيلة، شعرتُ بالآلم وتنفسته، انغمرتُ فى بحر الحزن مرارًا،
ولكنى مع كل ذلك تعلمتُ أن الاستسلام لن يفيد فى شئ ولن يفيد اليأس فى شئ، وأن كل
حدث سيزول مهما كان مُرًا ومهما كان مُبهجًا، كل الآشياء سعيدة أم حزينة ستتلاشى
وتزول ولن يبقى إلا ذكريات تُداعبنا من وقت للآخر، فلن يُفيد الحزن فهو لا يفعل شئ
سوى قتلنا فى صمت، وتعلمت أن الموت حق، والعاقل من يستعد له بكل ما يملك من إيمان،
فكما قال سيدنا محمد صل الله عليه وسلم: " كُلُّ امْرِئٍ
مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ..وَالمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ"رواه البخاري
ومسلم. وعندما توفت أمى رحمها الله، لم أعلم وقتها ماذا أفعل ولا ماذا أقول بعد
صراعها مع المرض على مدار ثلاث سنوات رحلت فى صمت وآلم مبرح، تلاشت كلماتى كلها
والتزمت الصمت، ولكنى بعد أن أدركت أن عدم وجودها فى مكانها المفضل وعدم تناولها
لقهوتها معى هو أمر واقع لا محالة له، قلت لنفسى لعلى استطيع أن أمنحها السعادة
حيثما كانت أن ترانى راضية وفى حال أفضل ولا ترانى أبكى ليل نهار أو اترك الحزن
يمتلكنى فأنسى ما خطط له معها، فسألت نفسى هل لو أمى كانت معى الآن حية تُرزق
تتنفس، هل ستكون سعيدة وأنا مستسلمة للحزن والبلادة هكذا ؟ هل ستكون سعيدة وأنا
يائسة من حياتى؟ وأنا محطمة ومهشمة هكذا؟ هل ستكون فى أحسن حالتها وأنا تاركة
أحلامى تهرب منى ولا ألحق بها؟ كانت الإجابة "لا"، كانت ستتألم لحالتى
أكثر منى، ستحاول أن تساعدنى، ستقف بجوارى، من تلك اللحظة قررت فى نفسى أننى لن
أدعها تحزن وأن أكمل ما حلمت به معها لتكن هى سعيدة وهى تنظر لى من أعلى، وأن أحقق
ما وعدتها بأن أحققه حتى ولو كان حُلم صغير، وأن أشعر بها وهى مبتسمة لى فى صمت.
ستتسألون ألم تبكى بعد ذلك؟ لا،
بالطبع أبكى، أبكى على عدم رؤيتها، على عدم قدرتى على احتضانها كل يوم كما تعودت، على
عدم حديثى معها ومشاركتها كل تفاصيل يومى، أبكى وأنا أكتب تلك الكلمات، بالطبع
أبكى وأشعر بالآلم والضياع ولكنى فى كل مرة أشعر بإنى انغمز فى ذلك البحر، أقاوم
بكل ما أوتيت من حبٍ لها، فما علمتنى أمى أياه لن أضيعه ولم تكن هى لتضعيه ...
للذلك عزيزى الفاقد لمَن تُحب،
إذ كنت تحب من رحلوا عنكَ بحق، أبذل كل ما فى وسعكَ لجعلهم فخورين بكَ وسعداء بما
تحققه فى حياتكَ، أجعلهم مبتسمين مطمئنين عليك حيثما كانوا، أن لا يغمرك الحزن
فتستلم له ويجعلك الآلم شخصًا لا مبالى بحياته، عليكَ أن تكمل الدرب، أن تجعل
ألمكَ شعلة لكَ لتبدء من جديد.
فهم فى مكان لا ألم ولا تعب
ولا سقم ولا علة به؛ حيث الراحة الأبدية وجنة الخُلد، فقط ادع لهم فى كل لحظة فى
قيامكَ وقعودكَ وصلاتكَ وسجودكَ، فى كل لحظة أدع لهم، لا يوجد أحد أكثر حُزنًا
عليهم غيركَ، فلا تدع كلمات الآخرين تشككَ فى ذلك، فعليكَ أن تتعامل مع حزنكَ بشكل
لائق، نعم الموت لا يتعب الموتى، بل الأحياء ولكنه يجعلهم أكثر وعيًا وادراكًا
لماهية الحياة، فلا تستسلم للحزن حتى لا تقع فريسة له دون وعى.
منة الله عامر.
.png)

Comments
Post a Comment